الجاحظ
79
رسائل الجاحظ
المواظبة في القلب ، فينبت كما تنبت الحبة في الأرض حتى تستحكم وتشتد وتثمر ، وربما صار لها كالجذع السحوق والعمود الصلب الشديد وربما انعقف فصار فيه بوار الأصل . فإذا اشتمل على هذه العلل صار عشقا تاما . ثم صارت قلة العيان تزيد فيه وتوقد ناره ، والانقطاع يسعره حتى يذهل العقل وينهك البدن ، ويشتغل القلب عن كل نافعة ، ويكون خيال المعشوق نصب عين العاشق والغالب على فكرته ، والخاطر في كل حالة على قلبه . وإذا طال العهد واستمرت الأيام نقص على الفرقة ، واضمحل على المطاولة ، وإن كانت كلومه وندوبه لا تكاد تعفو آثارها ولا تدرس رسومها . فكذلك الظفر بالمعشوق يسرع في حل عشقه . والعلة في ذلك أن بعض الناس أسرع إلى العشق من بعض ، لاختلاف طبائع القلوب من الرقة والقسوة ، وسرعة الإلف وإبطائه ، وقلة الشهوة وضعفها . وقل ما يظهر المعشوق عشقا إلا عداه بدائه ، ونكت في صدره وشغف فؤاده . وذلك من المشاكلة ، وإجابة بعض الطبائع بعضا ، وتوقان بعض الأنفس إلى بعض ، وتقارب الأرواح . كالنائم يرى آخر ينام ولا نوم به فينعس ، وكالمتثائب يراه من لا تثاؤب به فيفعل مثل فعله ، قسرا من الطبيعة . وقل ما يكون عشق بين اثنين يتساويان فيه إلا عن مناسبة بينهما في الشبه في الخلق والخلق وفي الظرف ، أو في الهوى أو الطباع . ولذلك ما نرى الحسن يعشق القبيح ، والقبيح يحب الحسن ويختار المختار الأقبح على الأحسن ، وليس يرى الاختيار في غير ذلك فيتوهم الغلط عليه ، لكنه لتعارف الأرواح وازدواج القلوب . [ 26 - اللذات التي توفرها القينة ] ومن الآفة عشق القيان على كثرة فضائلهن ، وسكون النفوس إليهن ، وأنهن يجمعن للإنسان من اللذات ما لا يجتمع في شيء على وجه الأرض .